نصوص ... مدونة عبد الغني بنكروم

الجمعة,آذار 14, 2008


يقول أتباع اليهودي فرويد أن الطفل أبو الرجل. حلل وناقش يا سيدي. لكنني أقول أن الرجل يصنع طفولته انطلاقا من حاضره. حق للاعيشة القرنية ما نقلت قولا من ذلك الانتحاري جيل دولوز. لست إرهابيا يا ميمتي الحبيبة ولا أفكر في الانتحار. كل ما في الأمر أنني ربما طفل لحد الساعة ولا تنطبق علي النظرية.
هاكم السبب. قضيت طفولة سعيدة جدا. وسيم تحبني المعلمات والبنات. مجتهد أحصل على أعلى النقط في كل المؤسسة. أبي رئيس بلدية تطوان يهابه حتى المخازنية والدرك. كان له شأن وليس كما رؤساء المجالس الآن. إن لم يسرقوا من ميزانية البلدية فهم لاشيء. بيادق والسلام. ثم لما اشتد عودي أصبحت لاعبا يُعَوَّل عليه في فريق كرة القدم. صحيح أني لم أكن أسجل أهدافا كثيرة ولا أدري إن كان لذلك علاقة بالعنة ولكنني كجناح أيمن كنت كاللاعب الهولندي طاها ماطا. أقدم فرص التسجيل على طبق من ذهب. كنت سريعا كاسكيتيوي. وحتى في الكرة الطائرة فإنني لم أكن سماتشور بل باسور. كرة طويلة، قصيرة ، فوق الرأس ، من خلف، ممتدة . يعني باسور واعر. لو لم أكن تلميذا نجيبا لكنت الآن لاعبا محترفا على الأقل مع البارصا. حق للاعيشة القرنية ما أكذب! حتى أمي كنت أحبها باتزان. أسافر ولا أبكي عليها. تغيب ولا أترنح. هاي هاي . أوديب أسطورة والسلام
.
هنا في كندا لا بد أن تضيق بك الأرض. القانون صارم ومن فرط كرط. الثلج قارس ومن خرج من المنزل ندم. الاستغلال بشع : حضر أو انزع القطاية. أبي، يا أبي لستَ رئيسا للمجلس البلدي هنا. الرئيس هو كما العادة كل دورة: إما جاك أو جورج لا ثالث لهما. يتناوبون علينا أولاد الحرام. الديمقراطية هي النَُوَيـْبَة وما أدراك ما النَُـويْبة. وما النًُويبة في البلد الذي هجرت منه سوى أن تطأ أنت ثم يطأ الآخر بالتناوب. أنا لا أقول قلة الحياء ياسلاكيط . لقد تبرأت منكم منذ بدأت أبحث عن نشر مؤانساتي. قالوا: لا ننشر لك حتى تكون غير سلكوط أو كلوشار
.
ميمتي الحبيبة يا ميييمتي. أشعر بالقنوط والضجر وبالغربة والحنين ليس إلى أمي يا مساخيط فإن ذلك عقدة عند أولاد المدرسة. حنين إلى الوطن. إييييه الوطن يا أولاد الكلاب. لا تفرطوا فيه حتى لا ينقض عليكم كلاب فرويد.  يقهرني الحاضر فترتد ذاكرتي إلى الماضي. ليتها كانت تتذكر الطفل السعيد الذي كنته. إنها الملعونة تبحث عن سبب مجيئي إلى كندا. ألم أقل لكم أنني أصنع طفولتي وشبابي؟ أتذكر مثلا أستاذ اللغة العربية يا مصيبتي. كان أبي يرفض أن يدرسني البهائم من الأساتذة ومن موقعه القوي كان ينقلني إلى أحسن الأقسام. إلا في السنة الرابعةإعدادي، بحثا عن أستاذ جيد في الرياضيات، قبلنا الأستاذ سي المهدي خانون.أستاذ من فاس لكنه بعرة. بل إنه خرية من داسها لا بد أن ينزلق. يفتخر بكونه خريج القرويين. ينقط الفاء من تحت ويكتب الهمزة كما في القرآن بدون قواعد ثابتة. من المفروض أن يكون أستاذا للتربية الإسلامية لكنه كان يريد اللحاق بالعصر. الحداثة يعني. رفض تدريسها وطلب اللغة العربية. وبما أنه ابن الحركة الوطنية، كانت له ركيزة قوية في فاس مكنته من مراده. يلبس سروال الباط ( عريض من تحت ) مع حذاء رياضي. حداثة يا سي المهدي ويامساخيط لا تضحكوا. بل غلف سنه بالفضة تبعا للموضة. كنا نسميه " الزيطي" أسوة بفنان شعبي محلي يغلف سنه بالفضة كما يفعل كل شيوخ الكمان ذلك الوقت. حينما يبتسم سي المهدي الحداثي كأن مصباحا كهربائيا يشع من فمه. عقَّدنا وقهرنا وخلق فينا كل مركبات النقص. سنة واحدة كانت كافية لتقضي على طفولة مرحة. كلنا كنا نلعب بالقط الذي بين رجليه كرة أو عربة أو زمارة أوصفارة، ثم حين نكبر نلعب بكابوس فرشي وحراقية. ومن الحج كانت تدخل إلى المغرب تلك الكاميرا الصغيرة بداخلها صور ندورها واحدة تلو الأخرى. إذا ملكها واحد لعبنا بها جميعا. كنا متساوين في الفقر حتى ولوكان الأب رئيس مجلس بلدي مثل أبي. نرضع من الثدي ولا وجود لسيريلاك.  نلعب حتى نشبع. ماعقدتنا غير المدرسة خصوصا أمثال سي المهدي الزيطي أو قل سي المهدي البعرة
.
كنت أحب سلمى بنت القايد. لها شعر أسود رطب ناعم تغسله كل يوم بالتأكيد. لم أجرأ في الأول على تقبيلها لأنها كانت تقول لي: " أنت عزيز علي يا هشام مثل خويا يوسف" أوربما لهذا علاقة بمهمتي ك"باسور" في الكرة الطائرة. اكتفيت باللمس وفيه بركة. من يستطيع لمس بنت القايد ؟؟ هاي هاي ! القايد يا حبيبي، القايد!! كان أبوها يمركالوحش في السوق. يجمع الخضر واللحوم والنعناع وكل شيء بالمجان. من تكلم خلت دارأبيه. بل كان أحد الجزارين يبيع اللحم الذي جمع القايد من السوق أولا ، ثم يبيع ذبيحته بعد ذلك. لا تقارنوه مع القايد الآن خريج مدرسة تكوين الأطر. والد سلمى كان خريج الحركة الوطنية. أهااااه ! رد بالك! له ركيزة قوية بمدينة سلا وهو من عائلة،هاي هاي، عريقة يا سيدي لن أقول لكم إسمها. الخواف لا تخاف عليه أمه
.
كانت سلمى وديعة تبحث عن الحنان. رغم أنني كنت أشمئز من أبيها فإنني أحببتها حب مراهق. لكن سي المهدي خانون كان يؤذيها بفمه وبقلمه. كم صبرت على إذايته لي، لكنني لم أتحمل ما كان يقول لسلمى. لولا أنه يلذغ كل الفتيات لما صبرت حتى نهاية السنة على بشاعته. يقول لها حين تبتسم: لا تورينا أسنانك البيضاء ! أو: أي معجون أسنان تستعملين ؟ ولما لبسَتْ مثل النصارى أحس أن الحداثة راحت من يديه هو الوطني الذي طرد الاستعمار. يقول لها : تصلحين لفيلم كوبوي ! سي المهدي كأنه امرأة عجوز سليطة اللسان في الحمام العمومي بينما سلمى مؤدبة ورقيقة الإحساس. المهدي عوض شرح الدرس يعطينا دروسا في الوطنية ويحكي لنا ماذا فعل أبوه. كحكايات عنترة أو ربما " احميدة الشارجان " ذاك الكذاب الذي عاد من الحرب يحكي أنه جالس هتلر وعاقر الخمر مع دوغول وعرفهم جميعا. هاك يا اوْليدي هاك. ربما بالغت لكن سي المهدي كان لا يخجل حين يكذب. ممنوع الضحك. انتباه! سي المهدي يحارب النصارى حتى يدق الجرس. المصيبة هي أنه لم يكن من حقنا أن نذهب إلى المرحاض لنأخذ قسطا من الراحة. ممنوع البول باستثناء رشيد نينيس الذي كان يعاني من داء السكري. يسخر منه الأستاذ كلما طلب ذلك. كنا نغتنم الفرصة ونضحك على الأستاذ. يضحك سي المهدي معنا ظنا منه أننا نضحك على رشيد نينيس. كلما أردت أن أبول هنا في كندا وأنا مكتئب، أتذكر سي المهدي الزيطي. لست أدري لماذا لا أتذكره حين أكون على أحسن ما يرام. أتذكر دائما - حتى الآن- أول قبلة من سلمى ورسائلها من سلا التي كانت تصلني عبر البريد بقلب فيه سهم أو شفة مرسومة بأحمر الشفاه. لن أنساها ما دمت لم أجد بعد فتاة أحبها وأتزوجها. ولن أتذكر غير سي المهدي خانون حين أكون حزينا. وجه النحس في يوم النحس. الطفولة بريئة يا كلاب فرويد
.
لست أدري ماذا سيتذكر شكري الآن. سمعت أنه أصبح ضابطا في الجيش. لقد كان سي المهدي خانون يجعل منه جاسوسا. يعطيه الكتب والبرتقال وبعض الملابس القديمة يحملها معه إلى دار الطالب وبالمقابل يطلب منه أخبار البنات والأساتذة والتلاميذ والبلد. سواء أخبار أولئك الذين يؤطرون التلاميذ في تنظيمات سرية أو أولئك الذين يربطون علاقات عاطفية مع التلميذات. خانون يحب معرفة كل شيء. المشكلة هي أن المدير كان ينهل الجواسيس من نفس المكان: دارالطالب. قال لي شكري مرة: تعال أحكي لك يا هشام. قلت : ماذا . قال
:
 - 
أنا جاسوس خانون، وخانون عدو المدير والمدير طلب مني أن أعطيه تقريرا سريا عن الرحلة المدرسية. فهل أنا رأفت الهجان حتى أتجسس للعدوين؟ مصيبة، مصيبة يا هشام .

شكري يتيم. جاء من الجبل إلى مدينة تطوان بعد أن ماتت أمه. يبكي أمه وهو مراهق وأكبر تلميذ في الفصل. كنت أضحك عليه: شوارب القط يبكي أمه، سير الله يبهدلك. لم أكن أعرف فرويد حينذاك. لما ضاق به الحال وعجز عن كتابة تقرير عن الرحلة قلت له: هاتها يا شكري. سأضع له إنشاءا. أطيل في وصف المدن والمناظر الطبيعية وأتحدث عن علاقاتنا المرحة وعن أغانينا.
ذلك ما فعلت. ضحك شكري لما قرأ التقرير ثم قدمه للمدير. في نفس الليلة التي اطلع فيها المدير عليه عرف من مخبرين تلاميذ أني كاتبه. سكر حتى تمكن منه السكر ثم ذهب إلى دار الطالب وطلب شكري. صرخ فيه أمام التلاميذ
:
-
ابتعد عني قليلا ! أشم فيك رائحة الخراء ( البراز). عليك أن تعلم أنني أتحدى هشام وأتحدى أبوه أيضا.
لست أدري متى يتذكر شكري مدير الثانوية، ربما حين يهجم عليه البوليزاريو. ولا متى يتذكرني، ربما حين يتوصل براتبه الشهري وبعمولته مقابل ما يهرب من مؤن العسكر إلى جزر القمر رغم دروس الوطنية التي فرع بهارؤوسنا سي المهدي الزيطي. هاكيلي على سي المهدي الزيطي! لن يعقدني إلا إذا هجم الحزن علي .



أموت ... !